عبد الله بن أحمد النسفي
89
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 50 إلى 52 ] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) يسومونكم ولذا ترك العاطف وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يتركون بناتكم أحياء للخدمة ، وإنّما فعلوا بهم ذلك لأنّ الكهنة أنذروا فرعون بأنّه يولد مولود يزول ملكه بسببه ، كما أنذروا نمرود فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ وكان ما شاء اللّه وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون ، ونعمة إن أشير به إلى الانجاء « 1 » ، مِنْ رَبِّكُمْ ، صفة لبلاء عَظِيمٌ صفة ثانية . 50 - وَإِذْ فَرَقْنا فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم ، وقرئ فرّقنا أي فصّلنا ، يقال فرق بين الشيئين وفرّق بين الأشياء لأنّ المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط ، بِكُمُ الْبَحْرَ كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنّما فرق بهم ، أو فرقنا « 2 » بسببكم ، أو فرقناه ملتبسا بكم ، فيكون في موضع الحال ، روي أنّ بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السّلام : أين أصحابنا فنحن لا نرضى حتى نراهم ؟ فأوحى اللّه إليه أن قل بعصاك هكذا ، فقال بها على الحيطان فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى ذلك وتشاهدونه ولا تشكّون فيه ، وإنّما قال : 51 - وَإِذْ واعَدْنا مُوسى لأنّ اللّه تعالى وعده الوحي ووعده هو المجيء للميقات إلى الطور ، وعدنا حيث كان بصري ، لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه وعد اللّه تعالى موسى أن ينزّل عليه التوراة وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة ، وقال : أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لأنّ الشهور غررها بالليالي وأربعين مفعول ثان لواعدنا لا ظرف لأنّه ليس معناه واعدناه في أربعين ليلة ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي إلها فحذف المفعول الثاني لاتخذتم ، وبابه بالإظهار مكي وحفص مِنْ بَعْدِهِ من بعد ذهابه إلى الطور ، وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ أي بوضعكم العبادة غير موضعها ، والجملة حال أي عبدتموه ظالمين . 52 - ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ محونا ذنوبكم عنكم ، مِنْ بَعْدِ ذلِكَ من بعد اتخاذكم العجل ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لكي تشكروا النعمة في العفو عنكم .
--> ( 1 ) في ( ز ) الانتجاء . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) فرقناه .